لايمكن أن
تدّعي أنك زرت الرقّة ولم تزر كاتبها ومخلّدها في أعماله الأدبية، الدكتور عبد
السلام العجيلي، ـ طيب الله ثراه ـ حيث تجده لا ينشغل عنك، ولا بك، وهو يستقبل
مرضاه، ويشرح لهم بالرقيّة المحكية حالتهم المرضية، وطريقة استعمالهم للدواء،
وحينها يلتفتُ إليك يُتابع حديثه معك بمحكية الثاقفين.
فالأسفار،
والعلاقات الإنسانية، والعمل، والكتابة الأدبية، ومستجدات الحياة اليومية، وما
يعتريها من أحداث ـ جميعها لها مكانةً خاصةً لدى الكاتب !.
وعندما نغوص
في أعماق ما كتبه العجيلي، فانَّ معظم ما تناوله نابع من التراث أولاً، والبيئة
الفراتية الغنية ثانياً، والتي أغنت ثقافته الفكرية، وأسهمت في إبداعاته، وفي
غزارة إنتاجه، وبالتالي خرج بنتاج أدبي متنوّع يندر تناوله، وهذا هو مفتاح نجاحه
وشهرته .. أضف إلى ذلك مطالعاته الدائمة في بطون أمهات الكتب في سنّي دراسته
الأولى، ومتابعته لما يُكتب، وحفظه للشعر العربي القديم، وما يملكه من حسّ أدبي
منذ اليفاعة أضفى جميع ذلك على عطائه الإبداعي، وأغناه .
لقد كتب
الكثير من النتاج في الأدب الساخر، ولاسيما في سنّي ممارسته الأولى للكتابة، كانت
تُثيره، أو تدفعه إلى هذه الكتابة المفارقات، والمتناقضات التي تبدو لعينه أو
لفكره فيما حوله، من أحوالٍ، وأمورٍ، وأناس .
في ذلك العهد،
في أوائل عهده بالإنتاج الأدبي، كان متفرغاً للضحك، فيشارك فيه ولا يهتم ما وراء
المظاهر الضاحكة الخفيفة، من قضايا مؤسية، أو مؤلمة، ومع الزمن أصبحت نظرته إلى
الأمور أكثر نفاذاً إلى حقائقها، التي قلّ أن تكون ضاحكة أو مسلية، فقل نتاجه
الساخر، ولكن في السنين الأولى، أثناء دراسته في الثانوية وفي الجامعة، كتب أشياء
كثيرة، شعراً، ونثراً، بأمور ضاحكة، وساخرة ـ أخوا نيات ـ لم يكن يهتمّ بالنشر،
ولم يُطلب منه آنذاك أن ينشر، لذلك لديه ركام من الكتابات الساخرة، لم يُنشر، ولا
أظنه يُنشر .. لأنه في كثيرٍ من الأحيان يتعلّق بعلاقات أخوانية، تهمّ الآخرين،
وقد يكون نشرها مسيئاً إذا لم يفهم القارئ الظروف التي كتبت وأبدعت فيها، ومع ذلك
فإنَّ فصول أبي البهاء، هي فصول ضاحكة، كتبها في عهدٍ متأخر، في زمنٍ متأخر، في
الثمانينات، وليس فيها إساءة إلى أحد، ولكن أراد أن يظهرَ فيها تناقضات المجتمع،
ونسبتُ كثيراً من أحداث الفصول إلى شخصية ضاحكة، ساخرة، حقيقيةً هي أبو البهاء،
الذي كان أحد معارفه، وأصدقائه، لقد توفي ـ يرحمه الله ـ .
فالأحداث التي
رواها فيه، أحداث حقيقية، أراد منها هو الضحك فقط، بينما هو حمّلها مغازيَ
اجتماعية، وأخلاقية.
في كثير من الأحيان تُثيره كثير من الأمور،
وتدعوه أن يكتب في السخرية، ولكنَّ السوّاد غلب على ما حولنا وفي هذه السنين، لذلك
من غير اللائق أن يترك الجد إلى السخرية.
أما القصة،
كما يشير العجيلي: هي نوع من تحويل كلامه العادي إلى فن أدبي، وهو حينما يلقي
المحاضرة، تجدُ محاضراته كلّها عبارة عن مجموعة من القصص، أو الحكايات، تنتهي إلى
الغاية التي يريدها، سواء كانت فلسفية، أو علمية، أو سياسية .. فهذه طريقته في
الإبداع، طريقة الحكاية، حتى حينما كان ينظم الشعر.
وان علاقاته
الشخصية مع الآخرين لا تعتمدُ على الصفة الأدبية، علاقة الصداقة بالناس، كانت
تعتمدُ على دوافع إنسانية.
فقد يكون هناك
أديبٌ كبير، وقد كان هناك أدباءَ كبار في أسمائهم، وفي منزلتهم، ولم يرتبط بصداقات
معهم، بل أنه ارتبط، كما يؤكد في حوار له، مع أصدقاء من أصناف مختلفة مشاربهم، من
متسكّعين، ومتشرّدين، وفقرّاء، وشذّاذ، لأن صفاتهم النفسية كانت قريبة إلى قلبه.
في غالب الأحوال كان شعره عبارة عن قصص قصيرة،
مابين النجمة والقمر، وما بين النهر والشاعر، هذا اللون جُبل عليه نفسياً، وتحوّلت
هذه الجِبلّةَ النفسيّة إلى شكلٍ أدبي.. وقد كتب الشعر في مطلع حياته، حينما كانت
التجارب قليلة، والعلاقات الإنسانية محدودة، والأماني كذلك، وأحب الشعر، لا شعره
هو فقط، وإنما الشعر بصورةٍ عامة، فهو من محبيه ومن حفّاظه، ولكن بعد أمدٍ طويل،
حين كثرت التجارب، وأصبحت الأفكار غنية، وكان لابد له من التعبير عن أمور كثيرةٍ
لا يستوعبها الشعر، تحوّل إلى النثر، وكتب ُحسب واقع الحال، وحسب ما يحتاجه.
الموضوع الذي
يريد أن يعبّر عنه، قد يكون صالحاً للتعبير عنه بمقال، فيكتبه مقالاً، أو يكون
أصلح للكتابة بطريقة محاضرة، فيلقيه محاضرةً، أو يكتبه قصة.
ويعتبرُ
العجيلي كلّ ما يمارسه في الحياة، هو هواية، حتى عمله الطبّي، يُمارسه بروح الهاوي
ليس بروح المحترف !
فهو لا يعمل
في عيادته أكثر من ثمانية أشهر في السنة، الأربعة أشهر الأخرى كان يقضيها في أسفار
داخل القطر وخارجه، وأحياناً يقضي أكثر من أربعة أشهر في الأسفار.
..الأدب كذلك هواية، بالنسبة له، ويصرّ دوماً
على أنه هواية أكثر من غيره، باعتبار أنه في عمله الطبّي، يقضي نحو سبع إلى ثماني
ساعات في ممارسته، أما الأدب فانه لا يقضي أكثر من ساعة أو ساعة ونصف بممارسته إذا
صحّت هذه الساعة، أو الساعة والنصف، لأن العمل الطبّي، هو مهنته وحرفته، أما العمل
الأدبي، فهو ليس شيئاً ملزماً له .. وإلزامه له يكون في إجابة الذين يطلبون منه
بعض الأعمال، أو في إجابة نفسه في كتابة ما يشتهي كتابته.
.. الهواية
الثالثة الأسفار، حتى سلوكه اليومي، يسير به على طريق هواية، لا يعتبر أنَّ هناك
شيئاً ملّزماً في الحياة، إلزام مهنة، والحياة، نفسها، هواية كذلك.
.. الهواية
الرابع الرياضة، فحينما كان طالباً جامعياً ترأس لجنة الطلاب، وأسس نادٍ رياضي،
وتم تسمية الدكتور سامي الجندي رئيساً للنادي الذي كان يمارسُ فيه لعبة التنس،
ولكنه لم يستمرُ في مزاولتها.
كان العجيلي،
رحمه الله، يحبّ السير ليلاً ونهاراً، وقلّ ما أستخدم السيارة، كما يستخدمها
الآخرون، حتى إذا سافر إلى بلادٍ يجهلها، فهو يمشي فيها لا طلباً للرياضة، ولكن
يجدُ جسمه بحاجة للحركة.
في الصباح،
يقوم ببعض الحركات الرياضية للوقاية من بعض آلام الظهر التي جاءت نتيجة لحادث سير
تعرّض له قبل وفاته بزمن ليس بالبعيد .. هذه الحركات الخفيفة، لا تتجاوز مدتها خمس
دقائق، وإذا عاوده ألم الظهر، قام بأداء الحركات من جديد حتى يتخلّص من هذا الألم.
ولم يضع لنفسه
بنفسه غايةً يريد أن يصل إليها، فهو عاش حياةً قلّ فيها الانزعاج، وليس من إنسان
يَخْلُصُ من الألم والعذاب في مسيرة عمره، ولا سيما إذا بلغ ما بلغ ـ من العمر ـ
ثم أنه خرج من حياته، برضىً من ضميره، كان يرجو أن يقترنَ برضاً من الخالق سبحانه
وتعالى .
ـ
ماذا تقول في الخيبة ؟
سوء تقدير.
ـ
الفرحة ؟
تأتي
مفاجئة، وأحياناً تأتي بعد تخطيط .
ـ
الحزن ؟
الله يُبعدنا عنه .
ـ
الجمال ؟
الله يُقرّبه منّا .
ـ
التواضع ؟
طبع .
ـ
الاجتهاد ؟
ينتهي دائماً بالنجاح .
ـ
الكسل ؟
ينتهي بالفشل .
ـ
السفر ؟
مشقّة .
ـ
ماهي الأكلة التي يُفضّلها العجيلي ؟
أنا رجل زاهد في الأكل. ما أراه أمامي آكله. لا
أنتقي الأكل !
ـ
اللون الذي تفضله ؟
كنت أفضل اللون الأخضر، فأصبحت أفضل اللون
الرمادي .
ـ
الكتاب الذي تفضل قراءته ؟
في الوقت الحاضر أفضل قراءة كتب التراث .
ـ
الطريق الذي تسلكه ؟
الطريق المستقيم .
ـ
الموقف الذي أثارك ؟
مواقف كثيرة. مخيفة !
ـ
متى تكون سعيداً ؟
السعادة غاية لا تُدرك .
ـ
متى تكون بحاجة للقراءة ؟
أنا أقرأ بصورةٍ دائمة. لا أحتاج لها. دائماً
أنا قارئ ومستمر!!
ـ
متى تكتب ؟
عندما أفرغ من أعمالي الأخرى. وعلى الأغلب في
الليل.
ـ
متى تشعر بالاطمئنان ؟
حينما يكون الناس حولي مطمئنين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق