الجمعة، 16 ديسمبر 2011

بلاد الوفرة .. والسطوة الإعلامية المؤثرة !!


يبقى الحزن طاغياً على جوّ  الفرح الذي رافقنا خلال الفترة التي أمضيناها في الولايات المتحدة، وقد تكون في لحظة ما مفقودة نتيجة الأسباب غير الواضحة المعالم التي طالما تقف حجر عثرة في طريقنا، وان كانت خفية حتى على صاحبها، وعلى الشخص الذي عانى مرارتها، وقسوتها، بغض النظر عن تجليات الواقع الذي شاهدناه، ولمسناه!
هنا، في كاليفورنيا التي تقع في أقصى الغرب الأمريكي، حيث يُثير حفيظتك محيطها المسمّى بالهادئ الهادر، وفي مدينة الشمس الساحرة، لوس أنجليس، تحديداً، حيث نقيم، بعد أن قطعنا آلاف الأميال ـ بالطائرة ـ يعتريك مشاهد حالمة، ليست أفضل مما كنا قد رأيناها في مختلف الولايات والمدن الأمريكية التي سبق وأن زرناها، في غير مرّة .. سواء  بداعي السياحة أو العمل، في سان فرانسيسكو، وسان هوزيه، وسان برونو، وسانتا كلارا، وفي شيكاغو، أو نيويورك، في لويزيانا، وبالتحديد في مدينة "نيو أورليانز" قبل خمس سنوات، حيث دمر المدينة إعصار كاترينا التي يتسيّدها أعتى خمسة آلاف مجرم من النوع الثقيل في العالم، وهذا ما شاهدناه بالفعل بالعين المجردة، وان كان لعدسات المصورين نصيب الأسد في إفراز مساحات كبيرة في نقل ما حدث بصورة مرعبة، ان لم تكن مخيفة حقاً.. أو زيارة المسيسيبي، في جنوب القارة الهائجة المائجة، أو في أيوا، وأيضاً في كولورادو، وعاصمتها المبهجة "دِنْفِر"، في الوسط الغربي الأمريكي، ونيو جرسي، أو ممفيس، وديترويت، وغيرها.
فالقارة الأمريكية قامت أصلاً على الهجرة, على الوافدين, فلا يكادُ يوجد شعبٌ في العالم القديم إلاَّ وله جالية في هذا العالم الجديد، في مساحة تبدو وكأنها لا آخر لها, في بيئات جغرافية متفاوتة, من المدن الكبرى, إلى القرى الصغيرة, إلى الجبال المغطاة بالثلوج, إلى المساحات الشاسعة .. من السهول الزراعية, إلى الصحراوات الحارّة الكبرى التي تُضارع صحارى آسيا وأفريقيا.
فهي كالمعدة الشرهة تهضمُ المهاجرين, وتمتصُ العقول من كل أنحاء العالم.
 ومن يُخالط الأمريكي العادي, يَجدُ فيه صفات ممتازة, فهو أكثر من الأوربي بكثير في بساطته, وكرمه, وانفتاحه على الناس, وهو يقدّس قيماً إيجابية أهمّها قيمة العمل, والعمل هو ما يُميّز الناس, لا الطبقة ولا الاسم ولا الأسرة.
وأمريكا ـ كمجتمع ـ تتغيّر دائماً, تعيش اليوم لا تنظر إلى الأمس أبداً, حتى التاريخ الذي نجده في المجتمعات القديمة لا وجود له هناك, إنَّ الفتى من يقول هاأنذا, ليس الفتى من يقول كان أبي!
 لقد عرفت أمريكا الصحافة، ثم عرفت الإذاعة, ثم عرفت السينما, فالتلفزيون.
لقد تضخّمت هذه الوسائل الإعلامية المختلفة حتى غطّت تلك القارّة من المحيط إلى المحيط, وصارت إمبراطوريات شامخة تجثو أمامها أيّ سلطة أخرى.
طبعاً كان للصحافة نفوذها الجبّار وما زال, ولكنها بالتأكيد أكثر نفوذاً لدى النخبة, ثم كانت السينما بسحرها, ثم الإذاعة باتساعها, ولكن هذه الأدوات بلغت قمتها في التأثير بظهور التلفزيون, فهذا الصندوق السحري, الذي ينقلُ العالم إلى كل بيت, بات يُؤثر على النخبة وعلى السواد العام دون استثناء, وهو يُسمّر المشاهد في مكانه، يستأنسه, ويروّضه, بما يصبّه على رأسه كل يوم وكل ساعة, من صور، وأحداث, وقصص، وتعليقات, وإعلانات.
    بقي أن أشير إلى أنَّ المواطن العربي، المهاجر، هناك، وأعتقدُ حتى الأمريكي، طالما يُعاني ـ أيضاً ـ قساوة الحياة، ووقعها الممِضْ، حيث يصبّ مصيرهما في بوتقةٍ واحدة، بغضِّ النظرِ عن طبيعتها، وروتينها المملّ، والمقرف، وساعات العمل الطويلة، والعمل، كما قلنا، هو الهدف، بالتالي، ومن يقضي يومه بدونه فمصيره بالتأكيد مذلّ، ومجهول، ولا يعرفُ مستساغه إلا من يُعانيه !!
هذه صورة، وصورة أخرى متوافرة وبكثرة، وهي ظاهرة غياب طابع الحياء الذي يُشرّفنا نحن العرب أن نُتغنّى به، وأمثالها كثير من صور شاهدناها، ولمسناها، هناك.. وهذا دائماً مثار فخار احتقارنا لهؤلاء المتحضّرين الذين طالما يُشيرون إلينا بالجهل والتخلّف!!
قد نكون إلى حدٍ ما متخلّفين عنهم في ركب الحضارة، والإمكانيات الضخمة التي يحقّ لهم أن يتباهون بها، إلاّ أنَّ تميّزنا عنهم في جانب، وجانب كبير، هذا يدفعنا إلى أن نقبل بالواقع الذي نعيشه بينهم تحت ضغوطات مادية لا أكثر، ولولا الدولار، الذي به يتفاخرون، وهذا من حقّهم، واحترامهم الذي يبدونه لأيّ شخصٍ كان، بغضّ النظر عن هويته، وعرقه، لقلّنا بأنهم شعب متخلّف وجاهل، كما سبق وأن وصموننا به نحن العرب، من مقيمين وغيرهم، الذين أخذوا عنهم الكثير من الصفات والمزايا، وتحلّوا، وللأسف، بطباعهم، وتشبّثوا بها تحت ذرائع مختلفة، بعيداً في ذلك عن طبيعة بلادهم الساحرة، وجمالها الخلاّب، واهتمامهم أولاً وأخراً بالإنسان قبل كل شيء !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق