الخميس، 16 فبراير 2012

متى يتم استثمار كنوز الرقّة السياحيّة؟

تحتضن الرقَّة الكثير من الكنوز الأثرية، ومثالها: مملكة توتول في تل البيعة التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.. أضف إلى أنّها تحتوي على أول مسكن في التاريخ في موقع مريبط يعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد.
وإنَّ الرقَّة كغيرها من المدن، تمتازُ باحتوائها على أضرحة ومقامات، ما يجعلها قبلة السيّاح والمصطافين، كما أصبح لها شأن كبير في السياحة الدينية، لاسيما وأنّها تحتوي على مقام الصحابي الجليل عمّار بن ياسر، ومقام أويس القرني، وتميّزها بموقع استراتيجي من حيث أنّها تتوسط المحافظات الشمالية والجنوبية، وتربطها مع تركيا، عن طريق مدينة تل أبيض ببوابة حدودية بات يدخلها سنوياً ملايين الليرات السورية، علاوة على أنّها تضم الكثير من المواقع والتلال الأثرية، كبحيرة الأسد، وقلعة جعبر، وباب بغداد، والجامع العتيق، وقصر البنات، والتلال الأثرية، والكهوف، وغيرها، ولها سور معروف لازال قائماً حتى يومنا هذا، ويعتبر مصدر حيوي للسياحة الشعبية، إلا أنّه ـ وللأسف ـ لم يستغل سياحياً، وهو على غرار سور الصين العظيم الذي يقصده سنوياً آلاف السيّاح من أصقاع المعمورة.
قبلة السيّاح
إنَّ ما يميّز الرقَّة اليوم جريان نهر الفرات في أراضيها، واحتوائها على بحيرة الأسد، وهي واحدة من أعذب البحيرات في العالم، وتتوزّع على طول مجرى النهر تسع عشرة جزيرة نهرية، غير أنَّ هذه الكنوز، وللأسف، لا تستغل سياحياً أو حتى ثقافياً، حيث تغيب عنها أبسط المنشآت السياحية، والفنادق الفخمة، والمطاعم الشعبية، سواء على نهر الفرات أو البحيرة.
وعن الأسباب التي دفعت المجلس الأعلى للسياحة بتخفيض الحرم الخاص لبحيرة الأسد، ذكر السيد علي السلوم عضو المكتب التنفيذي المسؤول عن القطاع السياحي، فقال: "إنَّ الهدف من ذلك تنشيط الاستثمار باتجاه بحيرة الأسد، فقد تم تخفيض الحرم الخاص بها إلى خمسين متراً لدفع المستثمرين نحوها بناء على القرار رقم 274 تاريخ 21/6/2009 الصادر عن المجلس الأعلى للسياحة، وهذا التخفيض شمل مواقع: الكرين، شعيب الذكر، جعبر، المسطاحة، والفخيخة، وإنَّ هذا التخفيف، بالتأكيد، يُساهم في دفع المستثمرين للإقبال، وبشدّة نحو المنطقة، ما يعني إعادة النظر بواقع الحرم الخاص بالبحيرة، وبصورة خاصة، بعد استصدار المرسوم رقم 54 لعام 2009 الذي ساهم في تشجيع الاستثمار في المنطقة الشمالية الشرقية، وإعفائهم من الضرائب والرسوم لمدة عشرة أعوام، على أن تبدأ من بدء الاستثمار".
وعن أهم الشروط الواجب توافرها، والتي يمكن معها استقطاب المستثمرين للرقة، لاسيما وأنّها َ تُعد قبلة للسياح في المنطقة، قال: "إنَّ ايلاء الرقّة الاهتمام، عبر ترغيب المستثمرين، يعني تحوّل  مسار المنطقة إلى قبلة للسيّاح، وهذا يتطلب زيادة الاهتمام بالمواقع الأثرية، والأماكن السياحية الأخرى، في حال توافر الطرقات والخدمات الضرورية، ولايمنع من التأكيد على إعادة النظر بإحداث مطار يسهّل حركة انتقال المستثمرين الراغبين من والى بلدانهم دون عناء، ما يحقّق صناعة سياحة حقيقية، وفي هذه الحالة نكون ساهمنا في جذب رؤوس الأموال، وهذا يلزمه الإسراع بتوفير الخدمات الأساسية، إذا كنا جادّين باستثمار كنوز الرقَّة المطمورة، وما أكثرها، وأغناها".
قصور تاريخية



وفي حوار مع أحمد الشاكر، عضو لجنة المخالفات في دائرة آثار الرقّة، حدثنا عن أهم المواقع الأثرية التي تحتفي بها المدينة، فقال: "حظيت الرقّة بالعديد من المواقع الأثرية التي لازالت تشهد على ماضيها التليد، ومنها مملكة توتول في تل البيعة التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ولفتت أنظار الكثير من الأمم والملوك الذين أعجبوا بها مثل: الاسكندر المقدوني الذي أسّس فيها مدينة "نقْفوريوم" عام 244 ق.م، وفي العام 466 عرفت الرقّة بمدينة ليونتوبولس في عهد الإمبراطور البيزنطي ليون، وتطوّرت المدينة خلال الحكم العباسي، وازدهرت، كما بنيت فيها مدينة الرافقة على يد الخليفة أبو جعفر المنصور، كما تضمّ مجموعة من القصور التاريخية والأثرية المتفرّدة، ومنها: القصر "العباسي في الرقّة، وقصر البنات ـ بيمارستان، ولعل جنود الأمير أو الخليفة كانوا يرابطون في هذه الأبراج أيام الجمع، وقت الصلاة، وكذلك أيام الأعياد، وفي كل صلاة، بالإضافة إلى باب بغداد، وقصر هرقلة، وقلعة جعبر، ورصافة هشام بن عبد الملك، ومجموعة من التلال الأثرية في حوض البليخ، كتل حمام التركمان، وتل أسود، وصهلان، والمفش، وجدلة، وخويرة، وممباقة، العبد، الطنبرة، حلاوة، وموقع عنّاب السفينة، ودبسي فرج، والشيخ حسن، وأبي هريرة، وتل المريبط، الذي كان نقطة الانطلاق لأول استيطان مدني منذ الألف التاسع قبل الميلاد، وتل البيعة الذي يُشير إلى أنَّ الرقّة، الأم، كانت ترقد هنا!".
وعن موقع الرقّة وأهميتها التاريخية والعمرانية، قال: "تقع الرقّة في شمال وسط سوريا، على الضفة الشمالية لنهر الفرات، على بعد حوالي 190 كم شرق مدينة حلب.. ومنذ أواسط السبعينيات يعتمد اقتصادها على سد الفرات، وعلى الحقول النفطية المجاورة، وكشفت الحفريات فيها عن آثار تعود إلى العصر العباسي 750-1258، من أهم الآثار الباقية في المدينة: قصر البنات ، باب بغداد، والجامع الكبير الذي بني في القرن الثامن الميلادي، لافتاً إلى أنَّ الرّقة القديمة أيضاً تضم أضرحة عددٍ من رجال الدين المسلمين.. وقد أنشئت الرقّة عام 244 أو 242 قبل الميلاد، وسميت في البداية، كالينيكوس، نسبةً إلى سلوقس الأول، مؤسّس المدينة، الذي كان يُعرف أيضاً بهذا الاسم، ويقول البعض أنَّ الاسم يعود إلى الفيلسوف اليوناني كالينيكوس الذي توفي فيها، لكن هذا الاعتقاد خاطئ على الأغلب، في العصر البيزنطي، كانت المدينة مركزاً اقتصادياً، وعسكرياً، وفي عام 639 فتحتها الجيوش العربية الإسلامية وتحوّلت تسميتها إلى الرقّة.. وفي العام 772 بدأ الخليفة العباسي المنصور ببناء عاصمة صيفية للدولة العباسية بالقرب من الرقّة، سميت الرافقة. بنيت المدينة الجديدة على شكل حدوة فرس على الطراز المعماري لمدينة بغداد، وسرعان ما اندمجت مع الرقّة بين عامي 796 ـــ 808 حيث اتخذ الخليفة العباسي هارون الرشيد من الرقّة عاصمة له، حيث صارت مركزاً علمياً، وثقافياً هاماً، وفي الرقّة، عاش وتعلّم الفلكي العربي الشهير، عالم الرياضيات البتّاني 858-929 ولم تنجُ المدينة من جيوش المغول الجرّارة حين دمروها في عام 1258  كما فعلوا ببغداد".

 وتعدّيات قائمة!
 وثمة سؤال يتبادر للذهن، مفاده: ماهي القيمة الأثرية والفنية لآثار الرقّة؟ إذا علمنا أنَّ هذه الروائع قد عاصرت الأزمنة الذهبية للدولة العربية في عصرها الذهبي، وعاصرت أزهى حقبة في تاريخنا.
 قدّرنا القيمة الفنّية والمعنوية لهذه الآثار، فهي تكاد تكون النموذج الفريد الذي أبقت عليه عاديات الزمن من آثار عصر المنصور والرشيد، فهي ليست آثاراً فنّية وحضارية فحسب، ولكنها آثار رافقت أمجاداً عسكرية لأمتنا العربية، وهناك ظاهرة تنفرد بها آثار الرقّة، بالنسبة للآثار الأخرى في بلاد الشام، ومصر، والمغرب، كون تلك الآثار هي المحطة الأولى التي انطلقت منها الأساليب الفنية، المعمارية، والروائع الخزفية، والزجاجية المصنوعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وعنها انتقلت الفنون العباسية إلى مصر، والمغرب فيما بعد.
وحفريات مدينة الرقّة، كانت من المشاريع التي تعقد عليها المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية أكبر الآمال، لأن هذه المنطقة تضمُّ أكبر مجموعة من الأطلال الإسلامية بين كل مناطق الشرق الأدنى، ولأن التنقيب فيها كفيل بإظهار كثير من مخلّفات العصر العباسي، التي يقل وجودها في بلاد الشام، والتي يحتمل أن تحتوي على ما يشبع رغباتنا في معرفة فنون بناء، ونحت وتصوير ذلك الزمن، وإكمال ما أظهرته حفريات سامرّاء في العراق، كما أنَّ المنطقة اليوم بحاجة إلى حملة واسعة من أعمال التنقيب، والكشف، والترميم، وهذه الأعمال الواسعة تتطلب أموالاً باهظة إضافةً إلى أنَّ الفوائد العلمية والمادية ستكون بالغة الأهمية، إذا ما عرفنا أنَّ البلدة الجديدة آخذةً في التوسّع داخل منطقة الآثار، وأنَّ المساكن الجديدة المتواضعة تزحف باتجاه سور الرافقة مما سيؤدي إلى هدمه تماماً، أدركنا ضرورة التحرّك السريع لحماية تلك الروائع الأثرية.
إنَّ التعدّيات مستمرة منذ العهد العثماني على الآثار في مدينة الرقّة، وعلى سور الرافقة بصورةٍ خاصة، وحتى يومنا هذا، ولايمكن اعتبار الطريقة المتبعة حالياً للمحافظة عليها ضامناً أكيداً للإبقاء عليها، مع العلم أنَّ إهمال تلك الآثار جريمة يُحاسب عليها الضمير الحي، لذا كانت دراسة إنشاء شارع الكورنيش داخل السور، وخارجه تخفيفاً من التعديات عليه، كما أنَّ الاهتمام بأشجار السرو حول السور من الداخل تزيد أيضاً في حمايته، وتبعث فيه حياةً جديدة في هذا الأثر الرائع، وتشعر الأهالي بأنّ التراب لم يَعد مهملاً كما في أيام زمان.

مشروعات كبيرة
إنَّ الرقّة اليوم، التي تنعم بالخيرات الوافرة، الغنية بزراعتها الكثيفة المتنوعة تبدو في صورةٍ مشرقة ناصعة، فقد شيّدت فيها الأبنية الحديثة، وأقيمت فيها العديد من الساحات العامة، والحدائق التي يركن في إحداها تمثال هارون الرشيد، الخليفة العباسي وفاءً لذكراه، بالإضافة لأسدين اثنين عثر عليهما مع المكتشفات الأثرية الحديثة، في الرقّة.
  ولايفوتنا في هذا الإطار، أن نذكر الامتداد الجغرافي الواسع لبحير الأسد التي تجاور الرقّة، والتي تعتبر أول وأكبر بحيرة اصطناعية في سوريا، حيث تمتد على مساحة 640 كيلو متر مربع.


ولا يتوقف تشكيل  البحيرة عند حدود، باعتبارها تُعد خزاناً استراتيجياً للمياه، سواء للشرب، أو للري، بل وكذلك بالآفاق الكبيرة المتنوعة منها، وما يتعلّق بالبيئة، والمناخ، وأخرى تكون بها مرتكزاً لقيام استثمارات في جميع المجالات.


وهي تلاصق في الغالب من هذا كله في ضفافها، امتدادات البادية السورية، ومناطق الاستقرار الرابعة المعروفة بكثرة جفافها، ما جعلها أساساً للتغيير، والتأثير على البيئة، والظروف المناخية للمنطقة، خاصةً على ضوء حجمها، وكميات المياه المتبخرة، وإسهام ذلك بتعديل درجات الحرارة صيفاً، واستقطاب أمطار أكثر شتاءً للمناطق المحيطة بها، وامتداداتها،ناهيك عن أن وجودها ساهم في تنفيذ مشروعات كبيرة، تمثلت بمحطة ضخ البابيري المغذّية لمشاريع مسكنة غرب، وحتى سهول حلب المخطط استصلاحها بمياه الري، ومحطة ضخ مسكنة شرق، وقناة البليخ الرئيسية السفلى، التي تنقل المياه بالراحة من البحيرة عبر المأخذ القائم في أقصى شمال شرقها، نحو عشرات الآلاف من الهكتارات المستصلحة، أو الجاري استصلاحها.وإذا ما كان قيام البحيرة والتشجير اللاحق قد أعطى تشكيلاً رائعاً تندمج فيه الطبيعة، مع المياه الصافية النقية، مع الأشجار، فهو بالمقابل لفت الانتباه إلى الآفاق السياحية الكبيرة، والكثيرة لهذه الضفاف، خاصةً إذا ما أضيفت إليها الآثار التي تحتضنها، وبالرغم من أهمية كل ذلك سياحياً، فقد بقيت البحيرة بعيدة عن الاستثمار السياحي، في حال إذا علمنا أن ضفافها هي إحدى أهم  مناطق التطوير الكبرى في سوريا!.
                                                           عبد الكريم البليخ
                                                                                    عدسة ــ حمزة الحسين

المسجد الجامع في الرافقة الذي بناه المنصور ورممه الرشيد، وتظهر المئذة الاسطوانية الشكل من بين الأقواس


قلعة جعبر الأثرية تتوسط بحيرة الأسد في مدينة الثورة










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق