الأربعاء، 7 مارس 2012

العجيلي في حياة مدفوعة الثمن

العجيلي يتحدث كما يكتب. هنا تأخذ مقولة (الأسلوب هو الرجل) لبوسها في الحالتين؛ إذ الكلمتان المكتوبة والمنطوقة تصدران بذات النكهة، ولن يجد مَن تسنَّى له سماع حديث العجيلي في أيِّ موضوع كان فارقاً يُذكر بين حديثه وما يكتبه، بل سيقرأ كلمات العجيلي بصوت عميق، متتابع الكلمات، فتكاد الكلمات الواضحة النطق، الموقعة بين تلاحق أنفاسه، أن تتشابك متحدة لاهثة في محاولة مجاراة سرعة الأفكار التي يطلقها العجيلي.
تجد هذه الفكرة ترجمتها في شيئين اثنين، الكاريزما التي يتمتع بها العجيلي، ثم البيئة التي طبعت ذاكرته.
 فللعجيلي شخصية مهضومة وفق التعبير الدارج، ووجوده في مجلس، قبل حديثه، يشدُّ الانتباه إليه، وتتلمذه شاباً في مجلس آل العجيلي (الأوضة) في حي العجيلي في الرقة على كبار السن من أقاربه وجيرانه أكسبه مرانَ نسجِ القصص والحكايات المعاشة والمتخيلة، فهذه المجالس هي للهو والسمر قبل كل شيء، إضافة إلى دورها في حل المشاكل، وللاجتماع في حالات الفرح أو المآتم، وفيها تدور أحاديث طريفة عُرفت عن آل العجيلي، ليس فيها صفة المحرم الاجتماعي كحديث، بل وصلت في أيام ماضية إلى مجالس طرب، من أغاني الموليَّة المرتجلة على إيقاع الدفوف التي يُطلق فيها المتحاورون على بعضهم سهام التجريح وألوان التعيير في صفات جسمانية أو أخلاقية، حتى يمكن أن نطلق على هذه المجالس تسمية إذاعة أو إعلام ينشر وينتقد ويعمم تفاصيل آخر حدث اجتماعي حصل في حي العجيلي، وربما الرقة في عمومها، عبر تناقل الألسن لأبيات الموليَّة.
في هذا الجو اكتسب العجيلي شغفه بالمقامات الناقدة. وبدافع ذلك الخيال تفتح وعيه على القص، ثم كان حظه من التعليم والمطالعة رافداً لهذا التوجه، واستمر ذلك مع انتقاله إلى حلب كطالب، وانغماسه في الحياة السياسية في أواخر الثلاثينيات، ومن ثَمَّ إلى دمشق كدارس للطب.
وما كان لهذا التوجه أن يستمر ويتم لولا الموهبة الكبيرة والذكاء اللمَّاح، ولولا تلك الطفولة وأول الشباب في تلك البيئة الحميمة والمنفتحة.
ومن هنا أيضاً جاء حبُّه للسفر، فذلك الخيال كان بحاجة إلى تغذية دائمة، ولم تكن القراءة والمطالعة بكافيتين لتلبية تطلُّع العجيلي، فجال أنحاء أوروبا مستكشفاً بعقله وعينه وقلبه، فأضاف إلى مواهبه أدب الرحلات، وكانت جغرافيا ومجتمعات تلك البلدان موضوعات في رواياته وقصصه. وبين هجره للسياسة كنائب عن الرقة في نهاية الأربعينيات، وهجره للوزارات في أوائل الستينيات، كانت عيادته المستنسخة عن (أوضة العجيلي) مصدراً جديداً للواقع والخيال وللمضحك المبكي في بيئة صحراوية ما زال نصيب أهلها الجهل والعلاقات الاجتماعية العشائرية الحائرة في انتمائها بين الريف والمدينة، فالمدينة نفسها هناك، في الرقة، لا تمتلك من المدينة سوى شكل البيوت، نسبياً، واللباس.
هذا في الوقت الحالي، فالرقة حتى أواخر الستينيات كانت مؤلَّفة من بيوت متناثرة أو أحياء متباعدة. ولا أبالغ إن قلتُ: إن الرقة، المدينة/ القرية، كبرت بالعجيلي، فلا تُذكر الرقة إلا ويُذكر العجيلي، ولا تُذكر القصة القصيرة العربية إلا ويُذكر العجيلي.
ومن هنا كان اهتمام الشباب المثقَّف، في الرقة خاصة، بالقصة القصيرة؛ اقتداءً بموهبة العجيلي، فكانوا عدداً كثيرين، بل وظهر فيهم عدد من المبدعين من عدة أجيال، ابتداءً من عقد السبعينيات.
وأقول: لو تابع العجيلي مسيرته السياسية التي ابتدأها نائباً عن قضاء الرقة في مجلس النواب عام 1947م قبل موجة الانقلابات في سوريا لكان بإمكانه وضع الرقة في موقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي أفضل مما تيسر لها، ولتقدمت بخطوات أسرع، ولربَّما كان العجيلي قد دفع ثمن ممارسته العملية لتوجُّهه العروبي، خاصة أنه لم ينتمِ إلى حزبٍ حتى في عزِّ انغماسه في دسم السياسة وثريدها، لكنه فَضَّل عدم وضع نفسه في مرمى عظام المنسف السياسي.
وفعل خيراً، فكسبته الرقة طبيباً في زمن لم تكن في الرقة مدرسة ثانوية واحدة، وكسبناه في الرقة وسوريا والعالم العربي علَماً في القصة القصيرة والرواية، وأستاذاً في طلاوة الحديث، لا يمتلك ذو إصغاء إلا توفير كل كلامه حتى يستزيد من معين العجيلي دُرراً من الذكريات، والشعر، والمُلح، ونقائض الأدباء، ومقاماتهم. وأجزم أن العجيلي، الشاعر في بداية حياته الأدبية، هو من أكسب قصة العجيلي تلك الروح الحكواتية التي تزخرف عناصر القص لديه بصور تعزُّ على الشعراء، حتى يمكن أن يتماهى السرد لديه مع ما يمكن أن نسميه القصة الحديثة أسوةً بتسميته الشعر الحديث.

علي العائد 

الخميس، 1 مارس 2012

مجلس المدينة يفتقر الى الكادر الكافي .. غياب النظافة عن أحياء وشوارع الرقة !



لا زال مجلس مدينة الرقّة يفتقر إلى أعداد إضافية من عمّال النظافة القادرين بالفعل على سد الفجوة، وما هو متوافر حالياً بالكاد أن يسد حاجة المدينة، والسبب في ذلك اتساع رقعتها  الجغرافية الآخذة بالامتداد الأفقي نتيجة الازدياد السكاني من جهة، وهجرة ابن الريف إلى المدينة من جهة ثانية.
وان ما هو متوافر اليوم من عمّال نظافة لم يَعد يُلبّي الطموح قياساً بمساحة المدينة، وفي حال عكسنا ذلك على واقعها الحالي بحيث صار يطالها التوسع الأفقي من كل حدب وصوب، وهذا ليس بجديد على مدينة مثل الرقّة التي تشهد نهضة عمرانية متفرّدة..
واللافت، أنَّ مساعي محافظ الرقّة نجحت بالإقلاع بهذا الواقع المرير، عندما اتخذ قراراً فاجأ به الجميع بالعمل على تعيين 170 عاملاً في النصف الثاني من العام الماضي للمساهمة في تخليص المدينة من القمامة وترحيل الأنقاض وبقايا الأبنية العمرانية، وظل المواطن معها يشكو هذا الواقع المؤلم طوال السنوات الماضية، على مضض، بسبب نقص عدد العاملين الذين يمكن الإفادة من خدماتهم في هذا الإطار.
والمشكلة الأهم أنَّ هناك الكثير من العاملين في مجلس المدينة معينين بالأصل بصفة عمال نظافة، وهم في واقع الحال بعيدين عن رأس عملهم، بل أنّهم يشغلون أعمالاً إدارية وأخرى مختلفة.
د.عدنان السخني محافظ الرقة



وان الدور الذي قام به الدكتور المهندس عدنان السخني محافظ الرقّة لجهة تعيين 50 عامل نظافة، بصفة عقود موسمية على ملاك مديرية الخدمات الفنّية لصالح مجلس المدينة، بالإضافة إلى تعيين 120 عاملاً بعقود مماثلة على ملاك مجلس مدينة الرقّة خلال النصف الثاني من العام الماضي، كان له أثره المباشر في تحسين واقع نظافة المدينة، وهذه الزيادة في أعداد العمال ودعم كادرها العمالي كان له نتائجه الايجابية على واقع مدينة ظل لسنوات تعاني من نقص في عدد عامليها  القادرين على المحافظة  على وجه مدينة الرقة بإزالة جزء يسير من معاناة قائمة، ولا تزال برغم التحسينات التي طرأت على هذا الواقع المؤسي خلال نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي!

واستنجاد المحافظ بالعمال الشباب، بالقضاء على عطالتهم، ساهم في تحسين واقع النظافة في المدينة بتشغيل هؤلاء العمال العاطلين عن العمل، وهذه الخطوة الايجابية جاءت لتلبي آمالهم وطموحاتهم، وحاجة مدينة لخدماتهم، كما حقّقت هذه النقلة إضافة حقيقية لعمال التنظيفات القدامى العاملين في مجلس مدينة الرقّة بحيث تجاوز عدد عمّال النظافة مجتمعين الـ 350 عاملاً، وان كان البعض من هؤلاء العاملين، ممن سبقوهم، ظل الأغلبية منهم يُعاني من أمراض مختلفة، وهذا لم يكن يساعدهم في القيام بالأعمال المطلوب القيام بها على أكمل وجه، بل ظلت نتائج أعمالهم هزيلة، وتحتاج إلى متابعة مستمرة للقضاء على ما تعاني منه المدينة حيال هذا الواقع المؤسي نتيجة تراكم القمامة، وتشغيل العمال الشباب ساهم والى حد بعيد من تخفيف العبء عن كاهل المدينة التي عجزت عن حل معاناتها مع النظافة الغائبة!.

المهندس عارف صويري رئيس مجلس مدينة الرقة

وفي حوار مع المهندس عارف صويري رئيس مجلس مدينة الرقة الجديد ـ المنتَخَب، والذي سبق له وأن شغل منصب رئيس الدائرة الفنية سابقاً، والذي حدثنا عن واقع النظافة في الرقّة، وكيف يمكن التغلب عليها ومعالجتها في هذه الظروف، فقال: "نحاول جاهدين من خلال أعداد عمّال النظافة القدامى، والمعينين الجدد بموجب عقود استخدام موسمية، بالقيام بما هو مطلوب منا، على الرغم من زيادة رقعة مساحة المدينة الحالية، والتي تحتاج إلى طاقم  كبير من العاملين للقيام بدورهم بما يلبي حاجة المواطن في المدينة والمحافظة على نظافتها، وضمن ما هو متاح، نحاول توظيف إمكانات هؤلاء العمال بحل معضلة رئيسية ظل يعاني منها مجلس المدينة منذ سنوات مبعدة، ونحاول، وبدعم متواصل من قبل المحافظ من حل هذه المسألة، من خلال تأمين الكادر القادر على حلّها في مختلف أحياء المدينة، وتوزيع عمّال النظافة بصورة صحيحة بحيث تغطي كافة أحياء المدينة وشوارعها، حتى نتمكن من تلبية حاجة المواطن، والسعي لتخليص المدينة من القمامة الموزّعة هنا وهناك، وهذا يحتاج إلى مساعدة ومساهمة كل من له علاقة بذلك حتى نخلّص المواطن في الرقّة من بعض الصور التي لا زالت تحتاج إلى حملات نظافة عاجلة وآنية، وبصورةٍ مستمرة".
وقال: "نسعى جادين بالتعاون مع الدوائر الحكومية الأخرى العمل على حلحلة هذه المشكلة المتأزمة، وبالتعاون أولاً مع الأهالي، واللقاء بهم والحاجة ملحّة بتأمين الآليات الكفيلة بإنجاح دورنا، كما يتطلب ذلك تعاون المواطن مع عمال التنظيفات حتى نتمكن من تحقيق بعض الطموح بإزالة القمامة من أحياء المدينة وشوارعها التي لا زالت تعاني الأمرّين، وبالتالي المحافظة على نظافة المدينة ككل، هذا ما نحاول أن نسعى إلى تحقيقه".
 عبد الكريم البليخ
عدسة ـ حمزة الحسين

مدينة الرقة الأثرية

مدينة الرقّة اليوم