الأربعاء، 4 أبريل 2012

في ذكرى رحيله السادسة.. العجيلي .. بيئة بدوية وفكر نيّر

نستذكر في هذه الأيام، من كل عام رحيل الأديب الطبيب القاص والروائي عبد السلام العجيلي، الذي انتقل إلى رحمة ربه صباح يوم الأربعاء الخامس من شهر نيسان لعام 2006، والذي عايشناه بروحه المرحة، وباسلوبه المشوّق، سواء في متابعة قصصه ورواياته، وفي قراءة مقالاته، وأشعاره وغيرها الكثير من الجوانب الإنسانية التي تلامس شخص العجيلي الإنسان والأديب.
ومن يتابع، وبإمعان شديد، ما تناوله العجيلي خلال فترة عمره الذي قضاه مطالعاً نهماً، وناقداً حذقاً ومتمكناً، لكتب الأدب والتراث، ودراسة الطب في جامعة دمشق، بعد أن أنهى  تعليمه الثانوي في مدارس حلب، واهتمامه بالشأن العام، أضف إلى تسلّمه حقائب وزارية متعدّدة، وعضواً فعالاً في مجلس النواب، ومشاركاً في جيش الإنقاذ، مدافعاً عن قضية فلسطين الكبرى.
الأديب الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي
ولا ننسى في هذا المقام، دوره في كتابة المقال الأدبي، وتناوله باسلوب منمّق ومفهوم وسلس،  صار يألفه الصغير قبل الكبير، والسبب هو تمتّع الكاتب بحس مرهف، وأسلوب واضح، سلس ومفعم بالرغبة الجامحة نحو تحقيق الذات، وفي متابعة الآخر، وفي ما يخطه قلمه من صور بيانية غاية في الروّعة تلزم الطرف الآخر بالاستمرار والمتابعة، وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة، وكأنه يحاول الإقلاع بالمكان، ومصوراً إياه بريشة فنان، بدقّة تفوق الوصف.
فللعجيلي شخصية مهضومة وفق التعبير الدارج، ووجوده في مجلس، قبل حديثه، يشدُّ الانتباه إليه، وتتلمذه شاباً في مجلس آل العجيلي في الرقّة على كبار السن من أقاربه وجيرانه أكسبه مرانَ نسجِ القصص والحكايات المعاشة والمتخيلة.
وظل العجيلي على مدى السنوات التي قضاها من عمره، متفرّداً من بين أقرانه، ولاسيما أنه جرّب جميع صنوف الكتابة، وتمرّس بها، وبرع إلى حد التفوّق، بعيداً في ذلك ما دفع به إلى أن يُحقق نجاحات إضافية غاية في الروّعة والبهاء، أضفت إلى براعة العجيلي اشراقة أخرى من مفاهيمه الوجدانية الموضوعية لما هو معروف عنه، ويشهد على ذلك كل من قرأ وسمع وشاهد ما سبق وأن تناوله الأديب الراحل الذي نودع في هذه الأيام ذكرى رحيله السادسة، ونحن نفاخر بجزل عطائه، وهو الابن المدلل لعائلة مشهود لها بنبل الأخلاق، وطيب المحتد، ومن أسرة غنية لم تعرف يوماً طعم الحاجة.. ومن هنا جاءت انطلاقة العجيلي، والمعروف عنه بشعبيته، وبهواياته الكثيرة التي سجلت الكثير من المواقف الحميدة التي لايمكن لها أن تُمحى أو تزال من الذاكرة، وفي هذه الإطلالة نحاول الوقوف على بعض مكنونات الكاتب الكبير ابن الفرات المدلّل، الذي قضى جلَّ أيامه في أوجه عدّة، شغل فيها وقته بين عيادته المتواضعة، ومضافة الأسرة، حيث كان يسمع ضروباً من الحكايا والأخبار، ناهيك بقراءاته المتتابعة، وكتاباته كلّما اشتهى.
وقد لا يعرف كثيرون أنَّ عبد السلام العجيلي بدأ حياته شاعراً، ونشر أشعاره في الدوريات المزدهرة في الأربعينيات، ونشر أعماله الشعرية في ديوان يتيم "الليالي والنجوم".
والعجيلي، من كتّاب القصّة الذين قُدمت حول قصصهم عشرات الدراسات الأكاديمية والجادة في مختلف أصقاع العالم، في الوطن العربي، وخارجه، وهو لا يُختصر بعبارات أو صفحات، ذلك لأنه كاتب مكثر، ويكتب كما يتنفس، أحب الآخرين كما قدّر ذاته، لذا لم يلتفتُ إلى نقد حاقد تعرّض له في أثناء مسيرته، وما أكثر ما تعرّض، وبقي يكتب قصصه كما يراها هو وكما يعجب بها.
العجيلي.. قارىء نهم وباستمرار
والعجيلي كاتب فريد من نوعه، فهو دائم الحديث عن أصدقائه وأساتذته، وهو باحث دائماً عن اللحظة التي تمكن من الاعتراف بفضل الآخر، ولو حاول أحدنا استعراض مقالات العجيلي وأحاديثه عن الآخرين لوجد أسماء ضاعت في صفحات الزمن ولم نكن لنذكرها لولا أنَّ العجيلي ذكرها، وقد ينتمي بعض هؤلاء إلى أجواء بيئية محدّدة، أو إلى الناس البسطاء.
فالعجيلي هو الوفاء، لأنه لم يترك ذكرى أحد تمر دون أن يقدم شهادته ورأيه سواء في مقالات أو في لوحات تحمل أسماءَهم، كما في كتابه الجميل الذي يُمثل رؤية في السيرة والأشخاص "وجوه الراحلين".
وإذا أردنا أن نكون منصفين، فإنَّ كتابة العمود الصحفي الثابت من أصعب أنواع الكتابة الصحفية، ولا يبرع فيها ويستمر إلاّ الكاتب الفنّان، وكذلك كان العجيلي الذي استطاع أن يبرز كواحد من أهم كتّاب المقالة العرب، ومن أكثرهم غزارة في الوقت نفسه، مما يؤكد بأنه كان هاوياً للأدب، وبقي كذلك طول عمره.
وظلت البادية ملهمة عبد السلام، وباعث ملهم في تنوير فكره النيّر، وفي غزارة إنتاجه المتفرّد وفي إبداعاته.
 وكانت كتاباته دائماً تترجّح بين رياح البادية وأسلاك المدينة، إلا أنّه ظل في صميمه بدوياً، وكان اندماجه في حياة الحاضرة اندماجاً غير رافضٍ لتطورات العصر، ولكنه اندماج مراقب منغمس، إلا أنّه غير مستسلم، ولذلك كانت سلوكياته اليومية وتصاويره القصصية قادرة على النفاذ إلى صميم التجارب التي يخوضها، وهذا ما يفسّر قوّة  تأثيره الحيوي وتنوعه في الحياة المهنية والسياسية والأدبية، على امتداد ثلاثة أرباع القرن العشرين، مع تفاوت شديد متصل بتقلبات المراحل المتعاقبة.
عبد الكريم البليخ
عدسة: حمزة الحسين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق